الحركة النسوية وخارطة مستقبل إيران بفلسفة Jin Jiyan Azadî

ترى سوسن رخش أن فلسفة Jin Jiyan Azadî تمثل مانيفستو للتغيير، وأن قيادة الحركة النسوية، إلى جانب تبني نهج يقوم على نبذ العنف، يمكن أن يرسم ملامح مستقبل إيران وتقودها نحو تغيير مدني.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ في ظل التطورات الأخيرة وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تواجه المنطقة مجدداً حالة من عدم الاستقرار ومخاوف أمنية متزايدة.

بعد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كان من المتوقع أن تتهيأ الظروف لخفض التصعيد وتعزيز المسارات الدبلوماسية، كما بذلت بعض دول المنطقة، ومنها باكستان وعدد من الدول العربية، جهوداً للوساطة واحتواء الأزمة، إلا أن المواجهات استمرت، مع تزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على إيران وحدها، بل تمتد إلى الدول المجاورة ومناطق مثل إقليم كردستان، وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا حوار مع سوسن رخش، المحللة في الشؤون السياسية وحقوق الإنسان والحركات الاجتماعية في إيران.

 

في ضوء هذه المستجدات، كيف تقيّمون المشهد؟ وما التداعيات المتوقعة لهذا التصعيد على دول المنطقة؟

الوضع في المنطقة معقد للغاية، وأعتقد أن دونالد ترامب توجه إلى قمة الناتو بهدف حشد دعم الدول الغربية، ولا سيما الأوروبية، لزيادة الضغط على إيران، إلا أن نتائج القمة لم تكن مرضية بالنسبة له، ففي المقابل، اختارت أوروبا مساراً مختلفاً، تمثل في زيادة ميزانياتها الدفاعية والسعي إلى تقليص اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، وهو ما زاد من استياء ترامب ودفعه إلى انتهاج سياسته بصورة أكثر استقلالية.

ما يجري حالياً لا يُعد، من منظور ترامب، حرباً طويلة الأمد، بل محاولة لإجبار الجمهورية الإسلامية على قبول الشروط الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة.

من جانبها، حاولت الجمهورية الإسلامية كسب الوقت من خلال استخدام أوراق ضغط مثل الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز وإطالة أمد المفاوضات، في حين تستفيد بعض التيارات الداخلية من استمرار التوتر لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

لكن هذه "الحرب المحدودة" تظل محدودة فقط من وجهة نظر ترامب؛ أما بالنسبة للشعب الإيراني الذي يتعرض للهجمات، فهي تمثل كارثة إنسانية.

ورغم أن الجمهورية الإسلامية لم تُقدم حتى الآن على إغلاق مضيق هرمز، فإنها قامت بخطوات مثل استهداف سفن في المنطقة، الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن أمن الملاحة البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي.

وبشكل عام، فإن معظم دول المنطقة، وكذلك غالبية أعضاء حلف الناتو باستثناء الولايات المتحدة، يرغبون في إنهاء الأزمة ومنع اتساع نطاق الحرب، ومع ذلك، سيواصل ترامب الضغط العسكري إلى أن يتضح ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية مستعدة للعودة إلى طاولة المفاوضات وقبول شروط واشنطن.

كما أن الخلافات الداخلية داخل بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية تزيد من تعقيد المشهد، وتجعل التنبؤ بمسار التطورات أكثر صعوبة.

 

تشير بعض التحليلات إلى وجود تباينات داخل بنية السلطة الإيرانية، بالتزامن مع اتهامات بأن التيارات المتشددة تعرقل مسار المفاوضات. إلى أي مدى تعتقدون أن هذه الانقسامات حقيقية ومؤثرة في عملية صنع القرار؟ وكيف تقيّمون دور الحرس الثوري في رسم توجهات السياسة الإيرانية خلال هذه المرحلة؟

ينبغي النظر إلى مسألة "الانتقام" على مستويين الأول يتعلق بالقاعدة الأيديولوجية والقوى الموالية للنظام، حيث لا يزال جزء منها يدين بالولاء الحقيقي للمرشد الأعلى علي خامنئي ويحمل دافعاً انتقامياً.

أما على مستوى القيادات العليا في الحرس الثوري، وكذلك التيارات مثل جبهة الصمود (جبهة بايداري) والمقربين من سعيد جليلي، فأرى أن الدافع الأساسي ليس أيديولوجياً، بل يرتبط بالمصالح السياسية والاقتصادية، فالحرس الثوري يعتمد منذ سنوات على حصصه من عائدات النفط كمصدر مهم لتمويله، كما أنه ليس كتلة واحدة؛ إذ يقترب جزء منه من محمد باقر قاليباف، بينما يميل جزء آخر إلى تيار سعيد جليلي.

في بداية المفاوضات، كان التيار المقرب من قاليباف وحكومة مسعود بزشكيان هو الأكثر نفوذاً، لكنني أعتقد أنه بعد مقتل علي خامنئي، تمكن الجناح المنافس من تحريك جزء من الحرس الثوري، واتخذ خطوات مثل مهاجمة ناقلات النفط، ما أسهم في إعادة تصعيد التوتر.

وأرى أن التيار المؤيد لاستمرار الحرب هو المستفيد الأكبر من العقوبات والأزمات الاقتصادية، ولذلك يدفع باتجاه استمرار التصعيد.

وفي هذا السياق، أصبح اسم مجتبى خامنئي أداة في الصراع بين الأجنحة؛ إذ يحاول كل طرف نسب مواقفه إليه، الأمر الذي يثير تساؤلات حول دوره الحقيقي في صنع القرار.

وقد تؤدي هذه الخلافات إلى صراعات خطيرة داخل النظام، تتراوح بين التنافس على السلطة، وربما تصل إلى مواجهات داخلية، وفي الوقت نفسه، يعاني الإيرانيون من ضغوط اقتصادية خانقة، ومع تراجع القدرة على تصدير النفط، بدأت الاحتجاجات النقابية بالاتساع من جديد.

كما أن الحركات النقابية والمدنية بحاجة إلى مزيد من التنسيق فيما بينها، كما ينبغي للقوى الموجودة خارج البلاد أن تترك لهذه الحركات حرية العمل باستقلالية، لأن أي تدخل متسرع قد يمنح السلطات ذريعة لتشديد القمع في الداخل.

 

في ظل هذه الانقسامات، أي الأجنحة تمتلك اليد العليا؟ كما وردت تقارير عن استخدام مدارس ومهاجع ومرافق مدنية لأغراض عسكرية، فما تقييمكم لذلك؟ وهل يمكن أن تتحول الانقسامات الحالية إلى فرصة لتعزيز الحركات المدنية أم أنها تحمل مخاطر أكبر على المجتمع؟

لا أعتقد أن استخدام الجمهورية الإسلامية لمواقع مدنية لأغراض عسكرية ظاهرة جديدة، فقد شهدنا ممارسات مشابهة في نزاعات أخرى في المنطقة.

ورغم أن القانون الدولي يحظر استهداف المدارس والمستشفيات والمنشآت المدنية، فإن هذه المواقع تعرضت مراراً للقصف في الحروب، وعندما تُستهدف القواعد العسكرية، تلجأ القوات غالباً إلى استخدام مواقع بديلة. لم تكن حماية أرواح المواطنين يوماً أولوية لدى الجمهورية الإسلامية، بل إن الخسائر البشرية قد تتحول أحياناً إلى أداة دعائية تخدم السلطة لذلك فإن استخدام منشآت مدنية لأغراض عسكرية ليس أمراً مستبعداً.

أما داخل النظام، فهناك جناحان رئيسيان يتنافسان على النفوذ، ويحاول كل منهما توظيف اسم مجتبى خامنئي لتعزيز موقعه، ويبدو أن محمد باقر قاليباف يبدي مؤشرات على رغبته في إصلاح بنية السلطة، لكن الجناح المقابل لن يقبل بسهولة بمثل هذا التغيير، وما يقلقني أكثر هو احتمال تحول هذا التنافس إلى صراع داخلي.

ولا يمكن الجزم أي جناح ستكون له الغلبة، وإن كان يبدو أن التيار المقرب من سعيد جليلي وجبهة الصمود يتمتع بعلاقات أوثق مع بعض أجنحة الحرس الثوري، في حين لا يزال قاليباف يحتفظ بنفوذ داخل جزء آخر من الحرس.

في المقابل، يشعر المواطنون بالإرهاق من كلا التيارين، ويطالبون قبل كل شيء بوقف الحرب، كما عادت الاحتجاجات النقابية للمتقاعدين والمعلمين والعمال والتجار إلى الواجهة، وأرى أن الأولوية يجب أن تكون لدعم هذه الحركات المدنية والنقابية.

وقد أثبتت التجربة أن الحركات المدنية لا ينبغي أن تُدار من الخارج، فصانعو القرار الحقيقيون هم أولئك الذين يتحملون كلفة النضال داخل البلاد.

ولا أزال أعتقد أن الحركة المدنية في إيران من أكثر الحركات تنظيماً في المنطقة، وإذا حافظت على استقلالها، فستكون قادرة على ممارسة ضغط مدني على السلطة والحد من نفوذ التيارات الداعية إلى الحرب.

 

أشرتم إلى انتفاضة Jin Jiyan Azadî ودور الحركات المدنية في إيران، فما الدور الذي يمكن أن تؤديه النساء اليوم؟ وهل تستطيع الحركة النسوية قيادة وتعزيز الحركات المدنية والحد من الآثار الاجتماعية للحرب؟

إن فلسفة Jin Jiyan Azadî لم تكن مجرد شعار، بل كان ميثاقاً وخارطة طريق، وأعتقد أنه، كما دعا عبد الله أوجلان إلى التخلي عن الكفاح المسلح انسجاماً مع ظروف المنطقة، ينبغي في إيران أيضاً اعتماد هذا الميثاق أساساً لتطوير استراتيجيات النضال المدني.

فالحركة النسوية هي الأكثر تنظيماً وريادة بين الحركات المدنية في إيران، وقد نجحت مراراً في إجبار السلطة على التراجع، ولا يعني الحديث عن قيادة النساء تهميش الرجال، بل إن الحركة النسوية يمكن أن تشكل حلقة الوصل بين الحركات العمالية والطلابية والنقابية.

واليوم بدأت تظهر بالفعل مؤشرات على هذا التقارب، حيث يشارك الطلاب والممرضون ومختلف الفئات الاجتماعية في الاحتجاجات النقابية.

وبرأيي، فإن الاستفادة من خبرة الحركة النسوية وأساليبها في المقاومة والتنظيم يمكن أن تعزز مسار المطالب المدنية، وتزيد من الضغط على الحكومة في مواجهة سياساتها الداعية إلى الحرب.

وفي مواجهة الادعاءات التي تقول إن "الشعب الإيراني يريد الانتقام"، ينبغي للحركة المدنية أن تطرح سؤالاً واضحاً أي شعب تقصدون؟

وأرى أن الحركة النسوية مطالبة اليوم بأداء دورها القيادي، لأن تحقيق مطالب الحركات المدنية سيصبح أكثر صعوبة من دون حضورها الفاعل.